الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
68
مختصر الامثل
تأكلون من اللحوم التي ذكر اسم اللَّه عليها ، في الوقت الذي بيّن اللَّه لكم ما حرم عليكم ؟ « وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ » . مرّة أخرى نشير إلى أنّ التوبيخ والتوكيد ليسا من أجل ترك أكل اللحم الحلال ، بل الهدف هو أنّ هذه هي ما ينبغي أن تأكلوا منها ، لا من غيرها ، وبعبارة أخرى : التوكيد هنا على النقطة المقابلة لمفهوم العبارة ، من هنا استدل على ذلك بالقول : « وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ » . ثم يستثني من ذلك حالة واحدة : « إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ » سواء كان هذا الاضطرار ناشئاً من وجود الإنسان في البيداء وتحت ضغط الجوع الشديد ، أو الوقوع تحت سيطرة المشركين الذين قد يجبرونه على أكل لحومهم . ثم تشير الآية إلى أنّ كثيراً من الناس يحاولون أن يضلوا الآخرين عن جهل أو عن اتباع الهوى : « وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ » . يلزم القول أنّ الجملة المذكورة ربّما تكون إشارة إلى ما كان سائداً بين المشركين العرب الذين كانوا يسوّغون لأنفسهم أكل لحوم الحيوانات الميتة بالقول : أيجوز أن تعتبر لحوم الحيوانات التي نقتلها بأنفسنا حلالًا ، ولحوم الحيوانات التي يقتلها اللَّه حراماً ؟ بديهي أنّ هذا لم يكن سوى سفسطة فارغة ، لأنّ الحيوان الميت ليس حيواناً ذبحه اللَّه ليمكن مقارنته بالحيوانات المذبوحة ، إذ إنّ الحيوان الميت بؤرة الأمراض ولحمه فاسد ، ولهذا حرّم اللَّه أكله ، وأخيراً يقول : « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ » الذين يحاولون بهذه الأدلة الواهية تنكّب طريق الحق ، بل يسعون إلى إضلال الآخرين . الآية الثالثة تذكر قانوناً عاماً ، فيحتمل أن يرتكب بعضهم هذا الإثم في الخفاء ، وتقول : « وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ » . يقال إنّهم في الجاهلية كانوا يعتقدون أنّ الزنا إذا ارتكب في الخفاء فلا بأس به ، أمّا إذا ارتكب علناً فهو الإثم ! واليوم - أيضاً - نجد اناساً يسيرون وفق هذا المنطق الجاهلي فيخشون ارتكاب الإثم علانية ، ولكنّهم يرتكبون في الخفاء ما يشاؤون من الآثام دون رادع من ضمير . إنّ هذه الآية لا تدين هذا المنطق فحسب ، بل من باب تهديد المذنبين بما ينتظرهم من مصير مشؤوم وتذكيرهم بذلك ، تقول الآية : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ » .